:: أخر الأخبار:
:: إصدارات المرصد
:: إدارة الرصد
إسم الراصد:
كلمة المرور:

 [المرصد اليمني لحقوق الإنسان » ]
 
عودة إلى:   طباعة   إحفظ الموضوع في المفضلة     عودة إلى الرئيسية    

      
   
الصلة بين استقرار الدولة الوطنية والحريات السياسية العامة: نموذج اليمن

10/10/2009

مقدمة:

 

تنطلق هذه الورقة من أن الحريات السياسية العامة تتمثل بالحقوق والحريات التي تكون الشق السياسي للديمقراطية وتحقق حرية العمل السياسي للجميع والشراكة في إدارة الشأن العام عبر السلطة أو معارضتها, وهي الحق في التنظيم بما يحقق حرية التعددية السياسية والحزبية, الحق في حرية التجمع السلمي وحرية الرأي والتعبير والحق في انتخابات حرة ونزيهة, وشغل الوظيفة العامة.

وتبين التجربة العلمية بأن صون هذه الحريات من العوامل الأساسية للسلم  الاجتماعي والاستقرار والتنمية, لكن الضمان الدستوري للحقوق والحريات السياسية, لا يعني ضمان ممارستها ما لم تقم دولة القانون.

أخذت الورقة اليمن كنموذج يقود عدم بناء دولة القانون فيه إلى إهدار الحريات السياسية وصار هذا الإهدار يهدد وحدة التراب الوطني, إذ يقف اليمن اليوم أمام أزمة كلية خطيرة تهدد استمرار وحدة كيانه الوطني ومظاهرها ثلاثة, تمثل أزمات ثلاث كبرى ورابعتها الأزمة الاقتصادية:

  • 1- القضية الجنوبية: الحد الأدنى من مطالبها التغيير والأقصى"فك الارتباط" وهي قضية ناجمة عن استمرار نتائج وآثار حرب1994م, وهي نتائج عطلت مسار الديمقراطية وشراكة الجنوب على وجه الخصوص, وقد أدى قمع المعارضة وممارسة الحق في التجمع السلمي والتعبير عن الرأي إلى وضع اليمن أمام مخاطر إشاعة العنف الواسع ومخاطر الانهيار الأمني الشامل, خاصة في ظل وجود شعور عام في جنوب اليمن بالتهميش والإقصاء والغبن وممارسة أجهزة الدولة للعنف غير المشروع, وهذا الأمر أدى إلى معادلة متضادة ومزيدا من الرفض للسياسات الحكومية والتعبير عن هذا الرفض بالمزيد من التجمعات السلمية وتظهر بعض المؤشرات الجنوح إلى مواجهة عنف الدولة بالعنف, وبالمقابل مزيدا من القمع واستخدام القوة, ويقف اليمن اليوم أمام سلطة تعد لحرب أهلية وطرف معارض يعد للانفصال, وطرف ثالث يتمثل بأحزاب اللقاء المشترك وحلفائهما في لجنة الحوار يطرح بديل"التغيير لمنع التشطير".
  • 2- حرب مستمرة في صعدة منذ عام2004م يغذيها التمسك باحتكار السلطة والرغبة بتوريثها والمزيد من تآكل شرعية القائمين عليها.
  • 3- أزمة سياسية حادة بين كافة أطراف الحياة السياسية, وكان من نتائجها توقف العملية الديمقراطية واهم مظاهر هذا التوقف تأجيل الانتخابات النيابية والمحلية ووقف الحوار بين السلطة وأحزاب المعارضة ممثلة بأحزاب اللقاء المشترك.

واليمن اليوم يقف أمام خطر الحرب الأهلية وانهيار الدولة.

سوف تركز هذه الورقة على مدى تأثير غياب دولة القانون على كفال ممارسة الحريات السياسية ودور هذه الحريات, خاصة التعددية السياسية والحزبية وحرية الرأي والتعبير, على التحول الديمقراطي والاستقرار والتنمية, ومواجهة هذا الخطر تستوجب وفاق وطني على إستراتيجية بناء الدولة والنظام السياسي, بما يحقق توزيع السلطة والثروة ويوفر إمكانية تداول السلطة سلمياً.

في هذا المقام سوف نتناول لماماً الأزمات الثلاث الكبرى ذات الصلة المباشرة بتعطيل الحريات السياسية, أما الأزمة الرابعة:الاقتصادية, سوف نخصص لها مقام آخر, وسيتم التركيز هنا على مدى تأثير غياب دولة القانون على كفال ممارسة الحريات السياسية ودور هذه الحريات خاصة التعددية السياسية والحزبية وحرية الرأي والتعبير وعلى التحول الديمقراطي والاستقرار والتنمية.

 

خلفية :

يرجع ممارسة الحريات السياسية من التعددية السياسية والحزبية وحرية الصحافة والتجمعات السلمية والانتخابات العامة إلى مطلع عشرينات القرن الماضي في البلدان العربية الواقعة يومئذٍ تحت الاحتلالات الأجنبية, كمصر والعراق وسوريا ولبنان, غير أن مرحلة ما بعد التحرر الوطني قد جعلت الحكام الجدد يعتمدون على الشرعية الثورية وكفال الحقوق الاقتصادية  والاجتماعية والثقافية, مقابل إهدار الحقوق والحريات السياسية وفي المقدمة حرية التعددية السياسية والحزبية, وحرية الرأي  والتعبير والتجمع السلمي والمشاركة في إدارة الشأن العام, وترتب على هذا التجمع العودة إلى ما قبل دولة القانون وحدوث أزمة شراكة في معظم البلاد العربية, المار الذي قاد إلى عدم الاستقرار وتوقف التنمية بسبب الانقلابات والحروب الأهلية, وانهيار الكيان الوطني كما حدث في الصومال والعراق واليوم يقف السودان واليمن على حافة الانهيار, مع ظهور أفكار التحديث في اليمن برزت الظاهرة الحزبية ونواة العمل النقابي التي مثلت عدن المكان المناسب والملائم لنشأتها أو إصدار صحفها بفعل قيام بعض عناصر الحداثة ووجود شيء من المناخ السياسي الذي كان لـه كبير الأثر على الجنوب والشمال اليمني معا وبدأت هذه الظاهرة في منتصف العقد الرابع ومطلع العقد الخامس من القرن الماضي بقيام حزب الأحرار اليمني عام 1944م (2) والجمعية اليمنية الكبرى عام    1952م (3) والاتحاد اليمني ورابطة أبناء الجنوب وتجمعات وحلقات الأخوان المسلمين المرتبطة بمركز التنظيم العربي وانصار ثورة مصر أو الزعيم جمال عبد الناصر ، وفي ذات الوقت ظهرت التجمعات النقابية والصحف المعبرة عن هذه التيارات مثل صحيفة صوت اليمن ، وصحيفة الأيام.

    بيد آن ظهور الأحزاب بشروطها المتعارف عليها يرجع إلى نهاية الخمسينات ومطلع الستينات بقيام أحزاب أممية وقومية كتنظيمات سياسية حقيقية وذات تأثير فكري وتنظيمي على قطاعات واسعة في المجتمع وعلى مستوى الساحة اليمنية كلها ، وذلك بقيام هذه التنظيمات السياسية في عدن وفروعها السرية في الشمال, والمتمثلة بحزب الاتحاد الشعبي, وحركة القوميين العرب وحزب البعث.

 

ضرورة الديمقراطية والحريات السياسية:

لقد كان إعلان الديمقراطية وقبول التعددية السياسية وحرية الرأي والتعبير في اليمن نتاج توازن حقق فاعلية قيام الوحدة اليمنية بطرق سلمية ومثل طرفا التوازن من جهة الحزب الاشتراكي اليمني ومن جهة ثانية المؤتمر الشعبي العام .

ثمة اعتقاد لدى بعض الساسة والباحثين  من البلدان الغربية بأن الديمقراطية قد أتت بها ظروف قيام الوحدة اليمنية ، ولكن ليس ضرورة حياتية ، أخذاً بالقياس على بلدان عربية أخرى ، ولاسيما بلدان شبه الإقليم المجاورة ، وهذا رأي لا يعبر عن عدم إيمان حقيقي بإشاعة حقوق الإنسان لدى كل البشر وحق كل مواطن ، بما في ذلك في البلدان الفقيرة المتخلفة ، في نصيب عادل من السلطة والثروة وإقامة دولة القانون فحسب ، بل وعدم إدراك أن الديمقراطية ، بما في ذلك التعددية السياسية ، ضرورة حياتية لليمن وللتحديث والسلام الاجتماعي فيها وأمن واستقرار ليس اليمن فقط ، بل وبلدان شبه الجزيرة لعدد من الأسباب، ومنها :

  • 1- إن عدم الحفاظ على الديمقراطية والتعددية السياسية يعني نسف الأسس التي قامت عليها الوحدة اليمنية .
  • 2- بما أن التفرد في السلطة يفضي إلى تحكم أصحاب السلطة بالثروة وإحتكارها وإشاعة الفساد السياسي وممارسة الحكم غير الرشيد ، فإن شحة الموارد والثروات في اليمن يجعل إمكانية قيام الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية غير ممكن وتفقد السلطة كل شرعية للبقاء مما يجعلها مصدرا لدورات العنف والغلبة .
  • 3- إن ثورتي سبتمبر وأكتوبر وقيام الوحدة مترافقة بالديمقراطية قد جعل القبول بالشرعية السلالية أو حكم الفرد ووجود سلطة دون محاسبة بالاستناد إلى العصبية الأسرية أو حكم الطائفة المذهبية أو المنطقية أو السياسية أو القبلية والعشائرية ، أمر غير مقبول في دولة موحدة .
  • 4- من البين إن قوة تأثير المؤسسة التقليدية في المجتمع اليمني أقوى من أي بلد عربي أخر، حيث تمكنت من إعاقة التحديث والإبقاء على اليمن في أخر سلم التطور للبلدان العربية ، وبالتالي تتطلب عملية التحديث البدء بإقامة دولة القانون التي من وظائفها كفال الحقوق والحريات ومنها الحريات السياسية وفي المقدمة حرية تأسيس ونشاط مؤسسات المجتمع المدني : أحزاب ونقابات ومنظمات غير حكومية، والتي أثبتت تجارب الشعوب الأخرى قدرة هذه المنظمات على المشاركة الفاعلة في التحديث وتنشئة المجتمع وتعبئة أفراده للانتقال إلى المجتمع المدني وإقامة الحكم الرشيد, وحرية الرأي والتعبير, وحرية التجمع السلمي.
  • 5- إن الفساد السياسي الذي استشرى لايمكن مواجهته إلا من خلال حرية المعارضة التي تتحقق من خلال حرية التعددية السياسية والحزبية, وحرية الرأي والتعبير, وحرية التجمع السلمي والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة .

إن الميزة الجوهرية للديمقراطية هي توفير الآليات الشرعية لتحقيق مبدأ: ( الشعب مالك السلطة ومصدرها ) وتحويل الصراع المدمر للأوطان إلى تنافس على البناء وتقديم الأفضل ، بل إن الديمقراطية نفسها هي آليات ووسائل من خلالها تتحدد طبيعة الحكم وشكل الدولة والشرعية وتوفير المناخات السياسية والقانونية التي تمكن المواطن ومختلف الشرائح والطبقات من المشاركة الواسعة للإٍسهام في الشأن العام للمجتمع والقرار السياسي والتنموي عن طريق الاستفتاءات والانتخابات النيابية العامة والمحلية ، وهي آليات كفلها دستور الجمهورية اليمنية في المادة (4) بصورة جلية ، والمشاركة الفعلية تتم من خلال منظمات ومؤسسات المجتمع المدني السياسية والاجتماعية التي تستوعب القوى الراغبة في المشاركة والمتمثلة بالأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية والنقابية.

  وبقيام الأحزاب المتعددة والمنظمات غير الحكومية الممثلة للقوى الاجتماعية والسياسية  المختلفة وممارسة نشاطها بحرية وكفالة حرية الرأي والتعبير والمعارضة والتصدي للفساد السياسي والظلم ، تتوفر إمكانية تداول السلطة بعيدا عن الانقلابات والتصفيات الدموية ودورات الغلبة والعنف التي لايمكن لليمن في ظل بقاء عواملها من مغادرة حالة التخلف والضعف وعدم الاستقرار إلى التحديث والتنمية والسلام الاجتماعي ، ووسائل المشاركة هذه كفلها الدستور في عدد من المواد ، أهمها المادة(5) والمادة(58).

وبالتعددية الحزبية تقوم المشاركة العامة فعلا في شئون الحكم والمتمثلة في حق الانتخابات والترشيح والاستفتاء والمعارضة.

 والقبول بالتعددية الحزبية لابد من آن يعبر عن نفسه بالتخلي عن أساليب الحكم غير الرشيد ومنها تركيز السلطة وانعدام المحاسبة وشرعية السرية والتخوين وإخضاع المحكومين بالأوهام والوعود الكاذبة وخلع صفات الرموز على الحكام، واحترام الشرعية القانونية واستقلالية المؤسسات المعنية بصيانة آليات ووسائل الديمقراطية كلجنة الانتخابات ، لجنة شئون الأحزاب والتنظيمات السياسية ، واحترام استقلالية المنظمات غير الحكومية والوظيفة العامة والمؤسسات العامة للأعلام والتفريق بين الأموال الخاصة بالحاكم أو حزبه والأموال العامة ، والتعددية السياسية لا تقوم بدورها المطلوب إلا في ظل احترام المواطنة المتساوية التي بهما ومن خلالهما يحدث الاندماج الاجتماعي والعدالة واندماج الأفراد والجماعات في الحياة الوطنية والاجتماعية ، ويصير الشعب جماعة سياسية مكونة من أطراف وتوازنات مختلفة ومتعددة المصالح ، لكنها تتوحد في دولة المؤسسات وتحت حكم القانون والهوية الوطنية والولاء للمجتمع والدولة بدلا من الولاءات للفرد أو العشيرة أو القبيلة أو المنطقة أو المذهب ، وهذه هي الأسس التي أثبتت الخبرة الإنسانية آن بها يتحقق العدل والسلام والنمو والتقدم .

لقد مثل ربط الوحدة بالديمقراطية كمنظومة شاملة للآليات والوسائل المحققة لها ، ومنها التعددية وحرية الرأي والإصلاح الشامل ، حلم قديم ـ جديد لإقامة النظام السياسي ـ الاجتماعي العادل والحكم الرشيد في ممارسة السلطة في اليمن المعبر عن ضرورات وطنية : إقامة دولة القانون والتحديث والتنمية العادلة كشروط للاستقرار والتقدم ، وللاتساق مع مقتضيات العصر بإشاعة الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان ، وفي نهاية المطاف ، توفر عامل الاقتدار والاستقرار في اليمن وفي شبه الإقليم ، مما جعل قيام الوحدة والتعددية في اليمن ، في ظل التوازن الذي مثل طرفاه المؤتمر الشعبي العام من جهة والحزب الإشتراكي اليمني من جهة أخرى ، مشروع تغيير سلمي ملموس لاوضاع اليمن الداخلية وعلاقته بالعالم الخارجي .

ولقد حال التوازن يومئذ دون أن يهيمن حزب أو طرف على الحياة السياسية ، وأوجد المناخ السياسي إلى جانب المناخ القانوني لبروز التعددية وحرية الرأي بصورة قوية ، ومكن مختلف الأحزاب من إظهار فاعليتها والمشاركة في اتخاذ القرارات الهامة المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية .

لقد حركت الوحدة وإعلان الديمقراطية والتعددية ، وكأي حدث غير عادي ، مكامن القوة والنهوض في جماهير الشعب اليمني وحفزت أحزابا ومنظمات غير حكومية وجماعات وأفراد على الفعل الإيجابي وتوحدت معظم المنظمات غير الحكومية على قاعدة التوازن ، وبفعل مناخ الحرية غير المعتاد في اليمن شاركت بفاعلية في الشأن العام وتصدت لقضايا المجتمع عن طريق إقامة الفعاليات الوطنية والندوات وتبنت المنظمات الحقوقية والإبداعية ندوات  تؤصل لتحديث المجتمع وتعزيز الديمقراطية وبناء دولة القانون .

وبفعل التوازن الذي خلق مناخا لحرية العمل السياسي والجماهيري العلني ظهرت وسائل متعددة أخرى للتعبير عن الرأي والتنوير ، ومنها عدد كبير من الصحف التي تصدرها الأحزاب ، وصحف جماهيرية نقابية : عمالية ، شبابية ، نسائية ، وصحف خاصة مستقلة وزاد عدد الصحف الصادرة بانتظام وغير المنتظمة على مائة صحيفة ، وبدأت هذه الصحف تقيم صلة حقيقة بين الأحزاب والمنظمات غير الحكومية وأفراد المجتمع وتلعب دور تربوي وتنويري في قضايا الديمقراطية والتعددية الحزبية وحقوق الإنسان بصورة خاصة وأسس التحديث والمجتمع المدني بصورة عامة ، وممارسة النقد بجرأة وكشف مساوئ وأخطاء السلطة والأحزاب والمنظمات غير الحكومية .    

ونتيجة للتوازن الذي أوجد حراك سياسي ـ  ناهض بدأ يترسخ مفهوم المواطنة وحقوقها، ومنها قيام التعددية السياسية وحرية التعبير عن طريق وسائل الأعلام والاحتجاج السلمي بالتجمع والتجمهر والتظاهر والإضراب.

 

صناعة الفراغ وتمدد السلطة:

لقد توقف مسار الديمقراطية السياسية بفعل الحرب  الأهلية عام1994م التي أخلت بالتوازن السياسي وعطلت الحريات السياسية, حيث تجري عملية تقسيم الأحزاب لتشويه التعددية الحزبية و إيجاد معارضة إلى جانب السلطة لمواجهة المعارضة، وفقدت الكثير من النقابات والمنظمات غير الحكومية استقلالها وحقها في اختيار قيادتها, حيث صودر حق جمعياتها العمومية ومؤتمراتها اختيار قيادتها بحرية ومحاسبتها ووضع سياساتها  بصورة مباشرة أو غير مباشرة ،إذ يجد أعضاء هذه المنظمات أنفسهم في مواجهة مع الدولة بأجهزتها وإمكانياتها، وهو أمر يتناقض مع دستور الجمهورية اليمنية وتشريعاتها النافذة ، ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان .

تعاني الحريات السياسية اليوم من فعل القوة الذي رافق الحرب وأستمر بعدها و أخل بالتوازن الذي كان يمثله الحزب الإشتراكي اليمني ولازال يحول دون عودة بعض من التوازن بالتمسك بالإجراءات الاستثنائية ضد الحزب الإشتراكي اليمني وبعض أحزاب المعارض، وهو الأمر الذي خل و يخل ليس بأسس الديمقراطية فحسب، بل أثر سلباً على الوحدة الوطنية وتمزيق روابطها السياسية, ومن ذلك الرابطة السياسية الطوعية بين أبناء الشمال والجنوب التي يمثلها الحزب الاشتراكي اليمني, مستهدفة اليوم من قبل ليس السلطة فقط, بل ومن أصحاب المشاريع التجزئية, ومنهم العاملين من اجل مسعى فك الارتباط بين الشمال والجنوب.

لقد كان من نتائج حرب1994م تعطيل ممارسة الحريات السياسية, الأمر الذي ترتب عليه تسيد الفساد السياسي وشرعية السرية وانعدام المحاسبة في إطار سلطة الدولة وعدم حكم القانون من قبل هيئات السلطة والمجتمع واستيلاء السلطة الحاكمة على المنظمات غير الحكومية أو إثارة المشكلات بين قيادتها وأعضائها, ومن ثم برزت ظاهرتان :

الأولى : تفشي الفساد في أوساط قيادات حزبية ، بما في ذلك قيادة أحزاب في المعارضة ، وفي أوساط قيادات منظمات ومؤسسات غير حكومية أي أن الفساد قد غزا منظمات المجتمع المدني التي من مهامها محاربته والعمل على إقامة الحكم الرشيد.

الثانية : اضطرار قيادات في المجتمع المدني إنشاء مؤسسات فردية تخضع كليا أو جزئيا لقيادة الفرد دون منازع, بيد أن الأمر الأكثر أهمية الذي ترتب على حرب1994م وتعطيل الحريات السياسية يتمثل في تمكن السلطة من إفراغ المجتمع من طاقاته الفاعلة وإيجاد فراغ مؤسسي مريع, وتعطيل شراكة المجتمع باستحواذ السلطة على المجتمع المدني والمجتمع الأهلي, بما في ذلك الأحزاب ووسائل الإعلام, والدين ومؤسساته بتعطيل فاعلية الأحزاب وإيجاد أحزاب بديلة, والسيطرة على النقابات والمنظمات غير الحكومية, واحتكار وسائل الإعلام الجماهيري, وملاحقة صحف المعارضة وإيجاد صحف بديلة, وتحويل الدين ومؤسساته إلى وسيلة لمواجهة الخصوم السياسيين, وفي هذا الفراغ المريع تتمدد السلطة بمشاركة نفسها وفي التوسع بأجهزة الأمن والقيادة العائلية وتعددها, مما جعل الصراع السياسي يخرج عن نطاق مسعى تداول السلطة الذي صار مستحيلاً إلى إطار يهدد إمكانية بقاء الدولة نفسها.

كان اليمن قبيل حرب 1994 م على مفترق طرق, إذ كان قد لاح  في الأفق إمكانية التغيير ببناء دوله القانون والتحول الديمقراطي ،فجاءت الحرب لتعطل هذه الإمكانية وتعيد اليمن إلى ما قبل دوله القانون، وبمنع التغير وتعطيل الحريات السياسية الأساسية التي بها يتحقق  الانتقال الديمقراطي, وبالتالي فقدان الأمل في  التغيير وترتب على ذلك بروز القضية الجنوبية وحرب صعده والانسداد السياسي 0

لقد أفرزت الحرب سياسات انتقامية تمثلت بالثأر من التراث السياسي والمؤسسي في الجنوب وتدمير كل أثر لجهاز الدولة الجنوبية السابقة وتسريح عشرات الآلاف من الموظفين  والقادة العسكريين والإداريين، والاستيلاء على القطاع العام عبر الخصخصة والقذف بالعاملين فيه إلى سوق البطالة من العمال الصناعيين والزراعيين، وعلى الرغم من انه منذ الحرب طرحت المطالب بإزالة نتائج وآثار الحرب إلا أن السلطة تمسكت بهذه النتائج مما أدى إلى نشوء حركات اجتماعية وحراك سياسي للمطالبة الحقوقية لإزالة تلك النتائج والآثار وكانت المطالب محصورة بإعادة المبعدين من المدنيين والعسكريين إلى وظائفهم وتعويضهم عما لحقهم من أضرار بسبب تلك الإجراءات، لكن رفض السلطة قبول تلك المطالب وقمع التعبير عنها عبر الصحافة والتجمعات السلمية واعتقال المئات من قيادات ونشطاء هذا الحراك وإحالة البعض منهم إلى المحاكمات ، ومن ذلك إرسال البعض إلى العاصمة لمحاكمتهم أمام محاكم استثنائية وسقوط ضحايا بالقتل المتعمد ، أفضى إلى تحول المطالب الحقوقية إلى مطالب سياسية  وطرح القضية الجنوبية بالمطالبة بإنهاء صلة الإلحاق أو استعادة شراكة الجنوب وصولا إلى المطالبة بفك الارتباط ، أي الانفصال،وزادت هذه القضية تعقيدا بدخول التنظيمات الجهادية كالقاعدة طرفا في الصراع مع السلطة أو القضية الجنوبية ،مما يجعل الحالة الجنوبية مرشحة للانزلاق إلى حرب أهلية خاصة أن السلطة تعد لذلك.

من هنا يقف اليمن الآن أمام إمكانيتين : الأولى أن تؤدي القضية الجنوبية إلى انهيار الدولة وتمزيق البلاد ، الثانية  جعل القضية الجنوبية مدخلا لإصلاح الأوضاع اليمنية برمتها وتطرح المعارضة الممثلة بأحزاب اللقاء المشترك وحلفائها في إطار لجنة الحوار ، الآن شعار "التغيير مقابل التشطير " 0

لقد مرت محافظة صعده منذعام2004م بخمسة حروب وهي مستمرة حتى الآن وفشلت الوساطات الداخلية والخارجية في وضع حداً لها ، وهي حالة أخرى تهدد الكيان الوطني وتمثل ردة فعل على فقدان الأمن بإمكانية التغيير الديمقراطي وبوسائل سلمية 0 

 

على الرغم من أن السلطة وأحزاب المعارضة توصلت إلى اتفاق لتأجيل الانتخابات النيابية من27/ابريل/2009م حتى 27/ابريل2011م, لكي يتم توفير الأجواء السياسية المناسبة  للانتخابات من خلال إزالة نتائج وآثار حرب1994م وحل القضية الجنوبية وقضية صعده وإجراء إصلاح دستوري وقانوني وإصلاح النظام السياسي, بما في ذلك النظام الانتخابي, إلا أن كافة المؤشرات تظهر أن انسداد الحياة السياسية يجعل إمكانية التوصل مع السلطة إلى حل لهذه الأزمة العميقة من المشكوك فيه, ولاسيما أن السلطة وتحت وطأة الشعور بالعجز تتجه نحو:

  • 1- الإعداد لحرب أهلية عبر لجان الدفاع عن الوحدة وكتائب الجهاد في صعده وتأجج الصراعات الأهلية.
  • 2- إعداد قوانين لتجريم حرية العمل السياسي: حرية التنظيم والرأي والتعبير والتجمع السلمي, بفرض عقوبات على حرية التعبير تصل إلى السجن عشر سنوات والإعدام وإعطاء الجهات الإدارية صلاحية إيقاف نشاط الأحزاب, وفي ظل الانقسام الحاد في البلاد, انقسام جهوي وسياسي واجتماعي, لم تعد ثمة رابطة سياسية طوعية بين اليمنيين غير حالة تكتل أحزاب اللقاء المشترك.

وعليه يعلق الأمل في إمكانية البحث عن الخروج من الأزمة عبر مشروعها للإصلاح السياسي والوطني, والمدخل الأساسي لذلك الوصول إلى وفاق وطني على إستراتيجية وطنية لبناء دولة القانون وإحداث تغيير جوهري على شكل الدولة بالانتقال إلى الدولة الاتحادية الفيدرالية, وتغيير النظام السياسي بما يحقق توزيع السلطة والثروة ويوفر إمكانية التداول السلمي للسلطة, وبذلك يمكن درء مخاطر انهيار الدولة والانزلاق إلى حرب أهلية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قراءات: [ 445 ] طباعة: [ 85 ]        
 
عودة إلى:   طباعة   إحفظ الموضوع في المفضلة     عودة إلى الرئيسية    
أضف تعليقك
::الإسم:  
:: البريد الإلكتروني:    
:: العنوان:    
:: التعليق:  
     
 
:: تقارير ودراسات
... المزيد »
:: المجتمع المدني
 
 
... المزيد »
:: المناشدات
 
... المزيد »
:: انتهاكات حقوق الإنسان
 
 
 
 
 
 
 
... المزيد »
:: حقوق وحريات
 
 
 
 
... المزيد »
:: أنشطة المرصد الداعمة
 
 
 
... المزيد »
:: مواثيق دولية
 
 
 
 
 
 
 
... المزيد »
:: التقرير المالي 2008